لم
تعتد الدول العربية الخليجية على النهج الديمقراطي في حياتها السياسية
والاجتماعية، ويهيمن الإرث التراثي بمفهومه القبلي والعائلي على الحياة السياسية
والاجتماعية، ورجل القبيلة أو الدولة حديثاً هو الذي يوزع خيراته على كل من تحت إمرته
وليس لأحد حق الاعتراض عليه حتى لو كان ما يقوم به يمثل الظلم نفسه، وكل الفئات في
التكوين الاجتماعي والتي لها نفوذ تقوم بهذا الدور، فالعرف التسلطي قائم لدى زعيم
القبيلة أو رب الأسرة، والمجتمعات في هذه الدول اعتادت على هذا النهج، ومن يخرج
عليه لا محل له ويعتبر متمرداً على قيم الجماعة في الوسط القبلي، وغير موالي
لنظامه ووطنه في العرف السياسي، وعلى المجتمع أن ينزل به أشد العقاب حتى لو وصل
إلى درجة الموت لتخليص المجتمع من آثامه وشروره.
استمر
هذا العرف السائد في المجتمع حقباً طويلة في هذه المجتمعات والدول، إلا أن
التغيرات الاجتماعية والسياسية التي عرفها العالم في أعقاب الثورات السياسية
والصناعية في أوروبا وفي كثير من دول العالم كان لها دور فعال في منطقة الخليج
وخصوصاً بعد اكتشاف الثروة البترولية الهائلة التي غير نمط المجتمع رأساً على عقب
بما توفر لدى الأفراد والجماعات من سيولة مالية وثروات هائلة لم تعرفها هذه
المجتمعات أدت إلى كسر الأنماط القديمة السائدة في هذه المجتمعات وتغيرت بنية هذه
المجتمعات من أساسها بإنفتاحهم على الغرب وعلى الحياة الغربية الحديثة وخصوصاً في
مظاهرها المادية كالاسفار إلى مختلف بلدان العالم، والمنازل الفخمة والسيارات
الفارهة، والملابس حسب الموضة والتبرج في الملابس بينما بقيت قيم الحضارة الغربية
المتمثلة في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتقبل الآخر لم تعرف طريقها إلى
هذه المجتمعات وبقيت هوه واسعة في الحياة السياسية والثقافية أدت إلى حدوث تصدعات
في بنية هذه المجتمعات وخصوصاً بين أولئك الذين درسوا في الغرب وأمريكا أو الدين
واوتيح لهم فرصة التعليم العالي وهم كثر في المجتمعات الخليجية وجاهروا بنقدهم
ومعارضتهم للأنظمة القبلية السائدة في هذه المجتمعات حتى من أفراد هذه الأسرة
الحاكمة أو المالكة.
هذا
الواقع أحدث هزات عنيفة بين هذه الأسر وبين النخب المتعلمة المطالبة بالحرية
والديمقراطية، والتمتع بحقوقها الإنسانية، ودخلت هذه الأنظمة السياسية في مواجهات
مع مواطنيها المطالبين بالحرية السياسية والديمقراطية كما حدث في البحرين وفي
غيرها من دول الخليج، واستجابت البحرين والكويت لمطالب مواطنيها بتشكيل المجالس
النيابية المنتخبة، إلا أن لواهيب رياح الصحراء الحارقة اكتسحت تجربتي البحرين
والكويت الديمقراطية لفترة من الزمن وعطلت الحياة النيابية الديمقراطية وساد محلها
نظام انفرادي يرتكز على إصدار المراسيم في تنظيم شئون الدولة وتسير أعمالها
وعلاقاتها بدول العالم حتى جاء الملك حمد بن عيسى آل خليفة وحركته الإصلاحية
السياسية وإلغاء القوانين العرفية والسماح بتأسيس الجمعيات السياسية والمهنية
لتباشر دورها السياسي والنقابي في إطار مجتمع مدني يسمح بقبول الرأي والرأي الآخر.
هذا
الوضع السياسي تجسد على أرض الواقع في البحرين والكويت، وهناك الكثير من المطالبات
في أكثر الدول الخليجية، وهناك استجابات من الأنظمة السياسية الخليجية، وستجري
انتخابات برلمانية وبلدية في كل من قطر والمملكة السعودية، وسيتأسس مجالس برلمانية
منتخبة في قطر، ومجالس بلدية منتخبة في المملكة، وهذه بدايات للأخذ بالنظم
الديمقراطية السياسية المعاصرة والابتعاد عن النظم القبلية المتسلطة التي لا تعرف
إلا شريعة القبيلة، وتألهه رجالاتها وتنزيههم عن الخطأ، وشكك المطالبون بالاصلاح
السياسي في جدية هذه الخطوات نحو دمقرطة هذه النظم الخليجية، واعتبروها بمثابة ذر
الرماد في العيون وامتصاص
حماس المعارضين للأنظمة الخليجية، وحتى الأنظمة التي ارست دعائم الديمقراطية
اعتبروا الديمقراطية فيها ممسوخة لأنها لا تمكن الأغلبية البرلمانية بتشكيل
الحكومة وأن النواب لا يتعدى دورهم أعضاء المجالس البلدية والمطالبة بمزيد من
الخدمات لمرشحيهم، والديمقراطية تبقى بعيدة عنا في نهجها المرتكز على التعددية
وتدوير السلطة بين الأحزاب السياسية، وستبقى المجالس النيابية الديمقراطية واجهة
الأنظمة السياسية الخليجية لا أكثر ولا أقل.
بقلم *منصور رضي